الأربعاء, 07 شباط/فبراير 2024 18:03

غواية المقهى ...قصة قصيرة ...سلوان احسان

كتبه
قيم الموضوع
(4 أصوات)

الى المرحوم كاظم الأحمدي الذي لم اره قط لستُ أدري سر هذه الغواية التي يلقاني بها ذلك المقهى المحشور في أزقة العشار القديمة بطابوق حجري معتق ، رغم إنه لم يعطن ما كنت أسعى إليه يوم دخلته لأول مرّة. ففي جنباته كنت أشعر بدنيا مُصغرة، هو سوق، أو دار إقامة لأناسٍ يتحدثون ولا يكادوا يصمتون. وعمال مهيئون بشكل مدروس لسرقة الزبائن. ، كنت أحسبني أدفع من مالي المتواضع ما يشتري هذا المنظر الذي يتجلى في ثوب الروعة مقتحما الوجوه المرسومة بالوان مائية من رسام مجبور على الرسم . كنت بريئا، اشتريت كتابين ، وحسبتُ تحت سطوة المراهقة إنني مثقف، ولابد أن أبحث عن المثقفين، وأين هم، وفي أي بقعة يجتمعون؛ كي أتناقش معهم فيما اعتقدته من القضايا الكبرى. فقيل هنا. تطاول الوقت، ورغم أهمية المقهى في منحي فرصة لقاء أناس على وفق مسعاي، لكن ظل زحام المقهى أبلغ أثرا من هؤلاء. وبموقعه وهيئته التي عمَّقت عشقي للماضي، ولمدينتي المهجورة في ذاك الثوب المتحفي. فهذا الجزء منها مؤكد لم تصبه آفة التشويه. نضجت رؤيتي، وشغلتني دراسة النحو والصرف التي لا اجيدها حتى للحظة ، واسعى لتحقيق طموحي المبعثر فلا جدوى بأي حال أن تكون شاعرا أو قاصا أو حتى صاحب موقف واضح من العالم. فذاك الزحام الدافئ رغم كل شيء، ما كان ليهتم بذوي المشاعر المرهفة، فالجميع هنا على ذمة التهميش والغياب. كلٌ يبحث عن موقع لقدميه. اخرج من ظل غلاف قاص سبعيني لوجع الحياة في تفاصيلها المؤلمة ، . الزحام المثير، والضجيج الذي تتعالى نبرته وتهبط دون يقيني في النشاز. تباعدت يقينا مرات للوصول إليه، لكن في هذه المسافات العمياء، بين الدنيا البارعة حقا في سحق البشر خارجه، وساعة واحدة للجلوس فيه، كنت أشعر شوقا جارفا أن ألقي نظرة ولو من خارجه، مرور عابر، فقط يعيد لي الشعور المفتقد بالاتزان. أو أن أدخل منتصرا على تعبي؛ كي ألمس تفاصيله في رغبة لا أدري سر حرصي للتشبع منها. الكراسي الخيزران، الموائد الرخامية الغريبة الشكل، الأسقف العالية التي تمنح رئتي اتساعا أكبر. الكتابة على صفحات البخار العالق بالنوافذ من زفير الناس في ليالي الشتاء. دوائر الدخان المتصاعد كراقصات باليه لا ينقصهن الرقة. صوت العمال، أصوات تحطم الأكواب، والبائعين الذين يقتحمون ضجيج الناس بضجيجهم المُكافح. تبخرت الصحبة وإن لم يتبخر شعوري بالحنين لأن أجلس فيه. كنت موقنا بأن القصص الطازجة هي حتما هنا. وكل الوجوه على اختلافها قصائد حيَّة. هنا الدراما وتفاعلاتها، الحياة وهي تريد مخلصة أن تنفلت من نمطيتها. كنت أسأل نفسي مع تقدمي في العمر والتجربة. هل كنت يوم دخلتها لأول مرَّة. أبحث يقينا عن الثقافة والمثقفين؟ مالي أراوغ؟ فلم يكن في يقيني ساعتها سوى رغبة لاواعية تبحث في صبر لافت عن كل ما يزيل شعوري الطاعن بالغربة والوحشة. ففي زحام المقاهي وجدت وطنا يتسع لكل الغرباء

قراءة 1221 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة